{صور وخواطر - علي الطنطاوي~



إننا نقطع الوقت من الصباح إلى المساء, في مشاغل نخترعها لننسى بها أنفسنا, ونبدد بها أعمارنا , من أحاديث تافهة, ومجالس فارغة , ومطالعات في كتب لا تنفع, أو نظرات في مجلات لا تفيد, فإن خلا أحدنا بنفسه, ثقلت عليه صحبة نفسه, وحاول الهرب منها , كأن نفسه عدو له لا يطيق مجالسته, فهو يضيق بها ويفتش عما يشغله عنها , وكأن عمره عبء عليه, فهو يحاول أن يليقه عن عاتقة , وأن يتخلص منه.


  لماذا لا تعرفون النعم إلا عند فقدها؟!
لماذا يبكي الشيخ على شبابه, ولا يضحك الشاب لصباه؟!
لماذا لا نرى السعادة إلا إذا ابتعدت عنا , ولا نبصرها إلا غارقة في ظلام الماضي, أو متشحة بضباب المستقبل؟!

كل يبكي ماضيه, ويحن إليه فلماذا لا نفكر في الحاضر قبل أن يصير ماضيًا؟



  إن الفقير الذي ينام في كوخ الطين, ويأكل خبز الشعير ويمشى بالحذاء البالي, أو يركب عربة النقل, التي يجرها الحمار, يتصور أنه لو نام يومًا على فراش الغني, أو أكل على مائدته , أو ركب في سيارته, لنال اللذائذ كلها ولكن الغني أَلِف ذلك لم يعد يجد فيه لذة, بل يجد الألم إن فقد منه شيئًا


علي الطنطاوي .. قراءات - سموت بالدين
 

0 التعليقات:

إرسال تعليق